الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بهما . والجار هو النزيل بقرب منزلك ، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها ، فالمراد ب الْجارِ ذِي الْقُرْبى الجار النسيب من القبيلة ، وب الْجارِ الْجُنُبِ الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة ، فهو جنب ، أي بعيد ، مشتقّ من الجانب ، وهو وصف على وزن فعل ، كقولهم : ناقة أجد ، وقيل : هو مصدر ، ولذلك لم يطابق موصوفه ، قال بلعاء بن قيس : لا يجتوينا مجاور أبدا * ذو رحم أو مجاور جنب ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغسّاني ، ليطلق له أخاه شاسا ، حين وقع في أسر الحارث : فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة * فإنّي امرؤ وسط القباب غريب وفسّر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار ، والجنب بعيدها ، وهذا بعيد ، لأنّ القربى لا تعرف في القرب المكاني ، والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار ، وأقوالهم في ذلك كثيرة ، فأكّد ذلك في الإسلام لأنّه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق ، ومن ذلك الإحسان إلى الجار . وأكّدت السنّة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة : ففي « البخاري » عن عائشة أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم : قال « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه » . وفيه عن أبي شريح : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج وهو يقول : « واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن » . قيل : « ومن يا رسول اللّه » قال : « من لا يأمن جاره بوائقه » و فيه عن عائشة ، قلت : « يا رسول اللّه إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي » قال إلى أقربهما منك بابا » و في « صحيح مسلم » : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي ذرّ « إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهده جيرانك » . واختلف في حدّ الجوار : فقال ابن شهاب ، والأوزاعي : أربعون دارا من كلّ ناحية ، وروي في ذلك حديث : وليس عن مالك في ذلك حدّ ، والظاهر أنّه موكول إلى ما تعارفه الناس . وقوله : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ هو المصاحب الملازم للمكان ، فمنه الضيف ، ومنه الرفيق في السفر ، وكلّ من هو ملمّ بك لطلب أن تنفعه ، وقيل : أراد الزوجة . وَابْنِ السَّبِيلِ هو الغريب المجتاز بقوم غير ناو الإقامة ، لأنّ من أقام فهو الجار الجنب . وكلمة ( ابن ) فيه مستعملة في معنى الانتساب والاختصاص ، كقولهم : أبو الليل ،